الشيخ حسن الجواهري
173
بحوث في الفقه المعاصر
فإن الإسلام كنظام للحياة شرّع للنقد مجالا إستثمارياً محدّداً وشرع للعمل مع المال مجالا آخر ، كما شرع للعمل لوحده مجاله الإستثماري ، كما شرّع لأدوات الانتاج مجالها في دخول الاستثمار ، فكيف نطالب الإسلام كمنظم للحياة البشرية بايجاد أدوات ربحية تنتج من مزاولة النقد فقط ، وننسى جوانب الإسلام التي شرعها لتنظيم حياة المجتمع والفرد ؟ ! نعود إلى شركة المزارعة ، فقد قال الشيخ الطوسي ( قدس سره ) في كتاب الخلاف : « لا يجوز أن يعطي - صاحب الأرض - الأرض غيره ببعض ما يخرج منها ، بأن يكون منه الأرض والبذر ومن المتقبّل ( العامل ) القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها » ( 1 ) . وقال ابن قدامة يقول : « ظاهر المذهب أن المزارعة إنّما تقع إذا كان البذر من رب الأرض والعمل من العامل ، نصّ عليه أحمد في رواية جماعة ، واختاره عامّة الأصحاب ، وهو مذهب ابن سيرين والشافعي وإسحاق » ( 2 ) . ومن هذين النصين لفقيهين من فقهاء الإسلام يفهم أنَّ من غير المشروع إنجاز عقد المزارعة بمجرّد تقديم صاحب الأرض لأرضه وتكليف العامل بالعمل والبذر معاً ، لأنّ مساهمة صاحب الأرض بالبذر أُخذت شرطاً أساسياً لتحقّق المزارعة في النص السابق . ولم تعدم النصوص من من تأييد هذين النصين ، فقد ورد في صحيحة الحسن
--> ( 1 ) الخلاف : ج 1 ، ص 705 ، وهناك قول آخر في المزارعة ، يجوّزها أيضاً في صورة كون الأرض فقط من أحدهما والعمل والبذر والعوامل من الآخر كما هو مروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حينما عامل أهل خيبر ( الزرع والنخل ) فلم ينقل في النصوص أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قدم لهم بذراً ، وكذا تظهر هذه الصورة من النصوص التي سنذكرها فيما بعد ، راجع الوسائل : ج 13 ، ب 8 من المزارعة والمساقاة ، الأحاديث ، وأكثرها صحيحة السند . ( 2 ) المغني : ج 5 ، ص 348 .